في المعارك والحروب وكلّ الخلافات ينتصر من يبقى على قيد الحياة، فإنّ الحياة حلبة صراع والبقاء للأقوى، وهذه قاعدةٌ عامّة، وكما نعلم أنّ لكلّ قاعدةٍ استثناء.
غزّة وأهلها هم استثناء هذه القاعدة، فإنّهم بموتهم قد انتصروا على عدوّهم وقهروه بعدم ركوعهم أمامه صاغرين كما أرادوا لهم.
انتصروا على كلّ العالم وسياساته الّتي لو أرادت لأنهت العدوان بجرّة قلم، ولكن وللأسف إرادتهم على العكس كانت تمامًا.
انتصروا على كلّ الشعوب الّتي امتلأت حبًّا للدعم، واهتزت قلوبها حزنًا، ولكنّها تردّد دائمًا شعارًا، ألا وهو لا نستطيع فعل شيء.
نعم انتصروا على هذه الشعوب الّتي حزنت فقط، وأخذت من هذه العبارة عذرًا لها بأنّنا شعوبٌ لا إرادة لها، لقد أماتتنا هذه العبارة وقتلت الهمّة في داخلنا، وألقت إعمال العقل عن إيجاد الحلّ، الحل!
وهل لمشكلةٍ كبرى كهذه من حلّ؟!
وهل يملك فردٌ من الشعب مقاليد هذا الحلّ؟!
نعم، كلّ شخصٍ منّا قادرٌ على أن يقدّم حلًّا، كلٌّ منّا يستطيع أن يفعل مالم تستطع فعله السلطات والحكومات، لكلٍّ منّا القدرة على التغيير.
كيف؟!!
بالدعاء، نعم الدعاء.
ولكنّي أرى بسمة السخرية على وجوه كلّ من خاب ظنّه بهذا الحلّ، وأدرك وأسمع ما يقولون في أجواف عقولهم، الدعاء قد التزمناه كلّ يوم، وإلى اليوم لم نرى شيئًا.
لم أقصد بالدعاء ما يخرج من بين الشفاه ولا يتجاوزها، هذا نسمّيه رفع العتب حتّى نزيل عن أنفسنا الشعور بالذنب لعدم فعل شيء، هذا يا إخوتي ومع الأسف لا يسمّى دعاءً أبدًا، لأنّه عبارةٌ عن ترديد كلماتٍ لا معنى لها.
الدعاء الحقّ هو أن تضع نفسك مكان كلّ شخصٍ هناك، أن تدرك الفرق الحقيقيّ بين من يعيش حياته بشكلٍ روتينيٍّ اعتياديّ، يأكل ويشرب، يودّع أولاده للمدرسة، تطبخ زوجته، تقوم بأيّ أعمالٍ وأنشطةٍ بسيطة….إلى آخره، وبين حياة الّذين فقدوا أبسط حقوقهم، ألا وهو الهواء النظيف، فكيف بغيرها من الحقوق؟!
عندما نعيش هذا الإدراك ونشعره من أعماقنا، سيأتي الدعاء عن حرقة قلب، سيصل إلى الله القادر على أن يغيّر الواقع الى ما نتمناه ، سيأتي الدعاء من صميم القلوب، لا فقط من الألسنة، سنتخيّر أوقات الإجابة المحبّبة، وندعو بالسجود، وآناء اللّيل وأطراف النهار.
ونحن عندما نكون على هذه الحالة، سنكون مرابطين مجاهدين مثلهم في سبيل الله، قد علّقنا حياتنا كلّها على همّهم، وندعو لهم حتّى ينفكَّ الغمّ، سنعيش أجواء الاستنفار، ونعيش كمن لا يعيش، ريثما تنقضي هذه الغمّة.
هل من مسلمٍ قام بهذا؟!
يا لهم من قليل، الأمرُّ في هذا الموضوع هم المسلمون الّذين لا تعنيهم هذه الأمور بشيء، وإنّما يقومون بتصوير يوميّاتهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ بكلّ حذافيرها بدون أن يشعروا بغيرهم ومعاناتهم، أنا لم أقصد أنّ الإنسان عليه التوقّف عن أشغاله وأعماله، على العكس، ولكن لنحترم أحزانهم، لنحترم ما يمرّون به وما يحدث معهم، على الأقلّ لننشر أعمالنا فقط.
هل لهذه المواقع من أهميّةٍ في هذا الأمر أو نفع؟!
بالطبع، علينا أن نعلن حالة استنفارٍ عليها أيضًا، وننكر المنكر بألسنتنا، ونحاول إيصال الحقيقة، فالكثير الكثير من الشعوب غير العربيّة لا تعرف الحقيقة المطلقة، تعرف أنّ هناك طرفان مظلومان، لا تعرف أنّ هناك أرضًا مسلوبة، وشعبًا مُضطَهدًا، ربّما قد تؤثّر كلماتنا على الرأي العام وتغيّر الوضع، وإن لم تفعل نكون قد قمنا بما علينا القيام به.
بعد هذا لا أرى حجّةً لأيّ إنسانٍ يقول أنّنا شعوبٌ لا إرادة لها ولا اختيار، هذا كلامٌ فارغ، فنحن نستطيع بأبسط الوسائل فعل المقدور عليه، والدعاء بصدقٍ وشغفٍ كمن يدعو الله أن يُرزق بذريّةٍ صالحة بعد انتظاره عشرات السنين، هكذا علينا أن ندعو لهم.
اللّهم بدّل حالنا وحالهم لأفضل حال، وانصرهم من عندك، وأنزل إليهم مددًا وجندًا من جندك إنّك على كلّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.
اقرأ أيضاً اليأس قبيل الوصول إلى القمّة
