أومئ بالموافقة، فسألته:
-سيدي هل لديك القليل من الوقت؟ عندي بعض الأسئلة.
-الوقت كُلّه لك يا ابنتي، تفضلي بالجلوس
جلستُ أمامه على وسادةٍ صغيرة فوق السجادة، أراقب نظر عينيه الثاقبتين بلونهما العسلي وقوتهما التي تحكي شباباً يحمله في قلبه قد لا يبدو واضحاً إلّا من خلالهما.
أنا لا أُخفي عنك يا سيدي (كنت أتحدّث واضعة أصابع يدي في معركة لا متناهية) أنّني منذ فترة لا بأس بها أسأل وأبحث عن الإسلام، وقد توصَّلت أخيراً إِلى قناعةٍ تامّةٍ به وأريد اعتناقه.
نظر مباشرة إلى عيني وحاول استخراج ما عجز لساني عنه.
-عندما رأيتك تدخلين لأوّل وهلة، ظهر ذلك على وجهك فالإسلام يحمل نوراً يُميّز صاحبه، لكن ما اعتقده أنّك لا تملكين الجرأة الكافية بعد لمواجهة الأهل والمجتمع، هممت بالحديث فأشار إِليَّ أن أتوقّف مسترسلاً: أعلم يا ابنتي صعوبة الأمر، وأنّك قضيتِ حياتكِ في جوٍّ مختلف وستتغيّر كليّاً بعد اعتناقك الإسلام ولكن لا عليكِ تستطيعين فعل ذلك تدريجيّاً.
اكتفيتُ بالنّظر إليه وأنا أرفعُ حاجباً وأضعُ آخر فعقَّب مُفسّراً التدرّج يا ابنتي سُنَّة في ديننا وقد علّمنا إيّاه نبيّنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم.
في البداية تستطيعين إخفاء الأمر، وانتظار أقرب فُرصة لإخبار أهلك، كي لا تُؤثِّري سلباً عليهم، أنتِ في بداية الطريق، وعليك بالطَّبع تعلُّم أشياء كثيرة، وتطبيقُها تدريجياً ومن الأفضل ألّا تشغلي بالك بمسألةِ الإخبار حاليّاً فلديكِ ما يكفي.
أزال كلامه كثيراً من التردّد والقلق عندي، ولامسَ جلُّه قلبي فاستطعت متابعة الحديث بهدوء أعصاب معلنة انتهاء حرب أصابعي.
ساد صمتٌ بيني وبين الرجل وشعرت كأنّ المكان بوسعه يضيق علي وسحبتني دوَّامة من الأفكار والكلمات في رأسي إلى قاع مُحيطٍ لم أدرِ كيف وصلت إليه، تصميمي على القرار كان حاسماً فما تفسير ما أشعر به؟
كسر صمت الزمان والمكان سؤاله وكأنّه قد فكّر في إنهاء ثورة الأفكار وأنّ الوقت قد حان:
-هل عندك شُبهةٌ أو ريبٌ أو شكٌّ في الإسلام؟
لا، قلتها دون أدنى تردّد ولكن تسلّل خوفٌ على وجهي لم أعلم له مبرّراً.
-لا تقلقي يا ابنتي أنت تشعرين بشيءٍ من الخوف وهذا أمرٌ طبيعي، فقرارك ليس عاديّاً إنّما هو تغييرٌ جذريٌّ في حياتك ولكِ الحقّ بالارتباك، فحجم القلق يأتي بكبر حجم التغيير.
هدَّأ كلامه القليلَ من ضرباتِ قلبي وبدأت دوّامة أفكاري بالتراجع.
-هل تودّين طرح أيّ سؤال آخر؟
-لا شكراً كلّ شيءٍ واضح.
تهلَّل وجهه فرحاً وتوقّفت دمعتان على باب عينيه تنتظران الخروج.
-هل تؤمنين بأنّ الله وحده لا شريك له.
-نعم.
-هل تؤمنين بجميع الأنبياء والرسل وبخاتمهم محمّداً صلّى الله عليه وسلّم
-نعم
-ردّدي معي.
صرت أنطق كلّ كلمةٍ وراءه، محاولةً تقليدها باللغة العربيّة كما يقول.
إنّها لم تكن مجرّدَ كلماتٍ، كانت إنقاذ روحٍ تَلَهّفت، سدُّ بابِ القلق وفتحُ بابِ الهدوء والرَّاحة والسلام.
كلّ حرف يُنطق يحمل معه أوجاع الماضي وترسُّباتهِ
أشهد ألّا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله.
نطقتها وأخيراً ووضعت وجهي بين كفيَّ وأنا أجهش ببكاء جميل، حُلو المذاق، لطالما سمعت عن بكاء الفرح ولكنّي ولأوّل مرّة أتذوّقه.
رفعت رأسي لأنظر للشيخ والّذي لم يكن أقلَّ حالاً منّي، وهو يحمدُ الله تعالى، بدموعٍ هادئة، ابتسمتُ بوجهي الجديد وأردت الشكر ولكنَّ لساني لم يُسعفني.
انهالت عليَّ المباركات والتهاني من كُلّ الموجودين والّذين لم أكُن ألحَظُ وجودهم جالسين يترقّبون المشهد وكأنَّ على رؤوسهم الطير.
لم أعد أشعر بثقل جسدي، واعتقدت أنّ هذا اليوم هو أفضل يوم يكون تاريخاً لميلادي، فقد وُلدت من رحم المُعاناة وخرجت إِلى عالم النقاء.
يتبع…..