وتمنيَّتُ لو أنّه كان صادقاً بكلامه، ماذا لو كان حقّاً ما يقول، إذاً كنّا لا نحتاج الانتظار حتى الموت لندخل الجنّة، ستكون الجنّة بداخلنا ومن حولنا، وصف الدينَ الإسلامي بأبدع صور وكلام، كان يتكلّم بكلّ هدوء واتّزان، مبتدأً من المسائل العقائدية إِلى النفسية والأمور الإيجابية والّتي يذخر الدين الإسلامي بها، وصرت أتساءل إن كان هذا الدين هو إكسير السعادة الدائم الذي نبحث عنه جميعاً.
أغمضتُ عينيَّ علَّ النوم يُنقذني ويريح فكري، ولكنَّ سيلاً من الردود والشبهات والأسئلة انهال عليَّ ووقف موقفاً موحداً ضدِّي وضدَّ النوم الذي توسلت إليه أن يأتي دون جدوى، إِلى أن أشفق لحالي بزيارةٍ قبل بزوغ الفجر ولم أمانع زيارته المتأخرة فهي أفضلُ من لا شيء.
مرّت عليَّ أيامٌ طويلة، كنت قد قرّرت فيها تجاهُل الأمر، وأن أدعَهُ مجرَّد مُصادفة، لكن عبثاً لم أستطع، لأنّني أؤمن أنّ الكون يُرسل لنا رسائل مخفيّة تحملُ ألغازاً وعلينا فقط فكَّ الشيفرة والنعيم بها بعد ذلك.
بعد طول جدال مع عقلي أخذت قراري الحاسم وهو أن أبحث بنفسي عن صدق هذا الرّجل، وأتأكّد من كُلِّ حرف قاله وإن ثَبُت صِدقه لا ريب من اتّباعه وإن كان كاذباً جعلت هدف حياتي محاربته ومحاربة ما يدعوا إليه.
لم تستغرق مُدَّة البحث أياماً ولا أسابيعَ بل أشهراً طويلة كنت أُفَنِّدُ كلّ شبهة وأبحث عن كلّ نقصٍ وأضع الرأي ونقيضه على كفتي ميزان وهكذا إِلى أن أتى اليوم الذي رجحَتْ فيه كفَّةُ الرجل الغامض ذاك الذي دخل حياتي دون استئذان، أثارَ غُبار البحث من حولي دون أن يعلم.
صار واضحاً وضوح الشمس والقمر صحَّة كلامه وأنّ الإسلام حقّ، وصارت قناعتي باتّباعه تُبنى يوماً بعد يوم إِلى أن وصلَتْ ذروتها وأتى اليوم الذي أنتهي فيه من عناءِ البحث إلى الاستقرار بالنتائج.
لا أنكر أنّني إنّما دخلت هذا التحدي لأثبت كذب الرجل ولم يكن ما توصّلت إليه في النهاية ما أصبو إليه فأقلق مضجعي هذا الانتصار، ولكنّي ثابتةُ المبدأ ولن أحيد عنه، فقد جعلتهُ قانون حياتي وهو أن أتبع الإيجابية والصواب والجمال أين ما وجدت….
وها أنا قد تأكّدت بنفسي ولا مانع أمامي سوى بعض المخاوف من ردّة فعل الأهل، قرّرت وسط كلّ هذه الفوضى، أن أجد ملجأً يشعرني بالأمان وأستلهم منه بعض القوّة للمواجهة.
فكّرت كثيراً في الطريقة إلى أن هداني التفكير بأنّ الحلّ قد يكون في زيارة بلدٍ من بلاد المسلمين، وأراهم عن قرب وأعيشُ بعض طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم، مستمدّةً بعض قواي منهم، فأعود مسلمةً مسلَّحة بالدفاع عن قيمي الجديدة.
قرّرت زيارة تركيا فهي بلد قريب ولا يُثير الريب عند أهلي كونه مقصِداً سياحيّاً للكثيرين في أوروبا.
لم يُمانع والديَّ نهائيّاً فكرة السياحة لمدّة قصيرة، راجيينَ أن أعود مطمئنة بعد حال القلق الّتي لم تخفَ على أهلي وبدت آثارُها واضحة عليَّ في الآونة الأخيرة.
وصلت تركيا مُتجهة بعد استراحة قصيرة في الفندق إِلى أقرب مسجد فيها.
عندما اقتربت منه صرت أُعاين أعمدة المآذن وجمال القُبب فيه، وبينما كنت على هذه الحال أصابت أطرافي رعشة لم أستطع لها تفسيراً، مرافقةً لها خفقان قلبٍ لا يدري ما الذي يجعله يعمل بهذه السرعة، هل هو مهابة المكان أم الخوف؟
الخوف من الجديد لم يكن شيئاً يساوِرُني أبدا لكنَّ هذا الجديد جعلني أتذوَّق طعَمه الّذي لم يكن كافياً إطلاقاً ليمنعني من متابعة الطريق.
اتّبعت الإرشادات المكتوبة باللّغة التركية والإنكليزية على جُدران المسجد، من وجُوب ارتداءِ شيءٍ ساترٍ من الرأسِ إِلى القدمين للسائحات.
عندما دخلْت لم أستطع منع عيني من النظر في كلّ بقعةٍ فيه، تارةً أنظرُ عالياً فأعاين الزخارف والنقوش والتي قد كُتبت بأجملِ الخطوط، وأنظر إِلى الإنارات العالية والّتي تحمل أشكالاً فخمة.
وتارةً أعود للنظر إِلى بساطة السجاد الذي يفرُشُ كافة الأرضية مما يستدعي خلعَ الحذاء خارجاً ووضعه في خزانة مخصصة.
قبل أن أرى مجموعة شباب في زاوية مع رجل مُسن، أخذني شعور غريب كيف لهذا المكان أن يحمل كل هذا التناقض من الفخامة والبساطة، المهابة والرقة…
صرت أتجوّل في أنحاء المسجد الواسع ولكنَّ عيني بقيت على الرجل المسن والذي بدا لي يتحدّث مع أولئك الشباب حول أمر مهم، فكانوا يجلسون منصتين إِلى تعليماته دون أن يرفَّ لهم جفن.
عرفت أن هذا الرجل وما يحمله من مهابة تجسّدت في لون لباسه الأبيض الّذي توحَّدَ مع لحيته وشعره، هو هدفي الآن فانتهزت فرصة انتهاء حديثه واتّجهت مباشرة إليه، وسألته إن كان يجيد الحديث باللّغة الإنكليزية.
يتبع….