قمتُ بإيصالها، مستمتعةً أثناءَ الطريق بحديثها وأحياناً تذمُّرِها من هذه الزيارة الّتي سبّبت لها المتاعب، على حدّ قولها.
لم أكن أردُّ عليها سوى بابتسامةٍ صغيرةٍ مؤيّدة لكلامها، أسترقُ معها النَّظر إِلى مراحل العمر عبر تجاعيد وجهها.
أنجزتُ المهمة وودعتها، واكتفَتْ هي برفع يدها مودِّعة.
كانت سعادةٌ ما تسري في عروقي غريبةُ المذاق، رغم عدم سماعي أيَّ كلمة شكر إلّا أنّ الجمال الحقيقي يكمن في العطاء.
وصلت متأخرة كفايةً إِلى عملي لأتلقّى اللّوم والتوبيخ بالإضافة إِلى شيءٍ من السُّخرية عندما أحاول التبرير الّذي لم يُقنع أحداً.
لم أكترث بشيءٍ ممّا سبق فقد عشت تجربةً جديدة ولن تُبعِد ابتسامتي توبيخياتٌ لا قيمة لها أمام شعور السعادة الّذي اكتساني (سعادة العطاء) ويالها من سعادة تجري مع الدم في العروق لتُغذّيه وتُعطيه ما يلزم ليكون إنساناً بمعنى الإنسان.
مرّت ساعات العمل ببطءٍ كالمعتاد، وعُدت إِلى معاركي في الوصول إِلى منزلي مساءً.
بالكادِ تناولتُ مع والديَّ وجبة العشاء، وأنا أُحدِّثهم بحماسٍ عمَّا جرى معي هذا اليوم.
يا صغيرتي الجميلة -قالت أمي- مازالت تدعوني بالصغيرة رغم أنّني في الثانية والعشرين من عمري.
-أنتِ دائماً تُحبّين التميُّز والاختلاف عن الباقي، كما كنتِ تماماً في الصَّغر، لم تكوني فقط تستمعين لنصائحي، إنّما تحاولين جاهداً ابتكار حلول وأشياءَ جديدة.
نظرتُ إليها بابتسامةٍ تحملُ معاني حبّي لها، وإعجابي بشخصيَّتها وتميُّزها كمعلّمة في المرحلة الإعدادية.
-أنتِ يا أمي من زرعتِ فيَّ حُبَّ التَّميزُّ.
ردت فقط بابتسامةٍ رقيقة أظهرت ما تحمله من جمال متوسِّط العمر.
لم تكن أمي يوماً متديِّنة، ولم تهتمَّ بأمر الكنائِس وزيارتها هذا ما جعلها مميَّزة على رأي أبي والّذي لم يكن كذلك فحسب بل كان ملحداً تماماً ويعتبر أنّ الدين مجرّد خدعةٍ لإلهاء البشر عن مشاكلهم، ولم يشاركنا في الحديث المسائي كعادته إلّا بمجرّد ايماءات موافقة وابتسامات مؤيّدة بين الحين والآخر.
هكذا توالت الأيام اعتياديّة، إِلى أن أتى نهاية الأسبوع، وأخيراً سأقضي يومين بلا عمل ولا زحام…
أخبرتني أمي مسبقاً أنّها أعدّت برنامج رحلةِ تسلُّقِ جبالٍ مع ذويها من المعلّمين والمعلّمات، وسيرافقهم والدي، وسيكون من دواعي السرورِ لديهم إن رافقتهم.
لم أُرِد إزعاج أمي باعترافي أنّها ستكون رحلةً مملّةً جدّاً لي، فأخبرتها أنّني اتفقت مع صديقاتي للخروج معهن
كذبة صغيرة لتخرجني من هذا الموقف وتُسعدني بقضاء يومٍ كاملٍ وحيدةً في المنزل مع كُتبي بعيدةً عن ضوضاء العالم الخارجي.
قضيتُ معظم اليوم على هذه الحال، إلّا أنّ الملل أبى إلّا أن يتسرّب إِليّ فأشغلتُ نفسي بالبحث في مواقع التواصل الاجتماعي، والّتي أجد فيها متعة الاختلاف، وكنت أتابع الآراء المختلفة والردود عليها، وأنتقض أولئك الأشخاص الّذين يهاجمون بالردود لمن يخالفونهم الرأي.
كنت أشاهدُ الفيديو تلو الآخر بدون موضوع مهم أقلِّبُ هكذا وعلى غير هدىً متجاوزةً فيديو الرجل الذي يلبس لباساً أبيض وله لحية طويلة.
لا أدري كيف أتت فكرة مُسرعة كوميض، لو حقّاً تدّعين الإيجابيّة واتباع الجمال، عليك تقبُّل الجميع وسماع آراء الجميع وعدم الحكم المسبق على أشخاص بسبب غيرهم.
تذكّرت سبب كرهي لهذه الفئة من الناس وهو ذاك الرجل المتعصب والذي قد قرأت مقالاً له على أحد المواقع يصف به كل من خالف رأيه بالكفار، وأوعدهم النَّار، وقد ضَمِنَ لنفسه الجنَّة بصُراخِه وشتمه.
لذلك طُبِعت في عقلي فكرة أنّ كلّ هذه الفئة تفكّر بنفس الطريقة فطردَتها أفكار الكتاب الّتي تدعوني أن أُفسح المجال لكلّ أحد لإبداء رأيه أيّاً يكن انتماؤه.
ولا سيما أنّني بِتُّ اليوم أقوى وأستطيع الردّ وتحمُّل كلّ ما يمكن لي سماعه.
مرَّت أكثر من ثلاث أو أربع ساعاتٍ أو ربّما أكثر، لم أعد أشعر بالوقت منذ أغلقتُ جهاز الحاسوب بعد انتهاء هذا الرجل الغريب من كلامه، وما زلت من وقتها مستلقية على ظهري فقط أتذكر كلّ كلمة وأفكّر فيها.
يتبع….