سحر أم مرض نفسيّ!

0

قديمًا كان الجميع من مختلف الأديان عندما يشعرون بأيّ أعراضٍ غير مألوفةٍ عن الطبيعة تظهر على أحد أقربائهم يلجؤون فورًا إلى رجال الدين لطلب الرقية، ظنًّا منهم أنّ هذه الأعراض الغير منطقية إنّما هي نتيجة للسحر، مع تطوّر البشر و تقدّمهم في علوم الطبّ بدأت هذه العادات بالاندثار ،وحلّ محلّها اللجوء إلى الأطباء النفسيّين، ولكن مع الأسف هناك خيطٌ مازال مسرّبًا من تلك الأزمان الغابرة إلى يومنا هذا نلجأ إلى رجال الدّين بكلّ طوائفهم واختلاف عقائدهم لمعالجة مريض نفسيّ ربّما قد يحتاج لبضعة أسابيع مع طبيب مختصّ كي يبرأ من مرضه ويعود لحياته الطبيعيّة، ولكن مع ذهابه لرجل دينٍ لا يفقه بأمور الطبّ النفسيّ شيئًا سيحاول معه بالطرق التقليديّة لطرد الجنيّ الّذي سكنه على حسب تشخيصه، وعندما لا ينفع الكلام معه يعلن الشيخ استسلامه، ثمّ يدور الأهل في متاهة المشايخ من النوعيّة الأخرى والّذين لا يتناسب مع مقاسهم كلمة مشايخ، إنّما اتّخذوا من الدّجل مصدر رزقٍ لهم، فيبدأ الشيخ بعد الكلام مع الجنيّ بقصد التحذير، ثمّ التهديد، وربّما يضطرّ بقصد العلاج أن يضرب الجنيّ كي يخرج ولا يتلقّى التهديد ولا الشتائم ولا الضرب إلّا ذاك المريض النفسيّ، فيزداد سوءًا، وإنّما ما يحتاجه هو قليل من الدفء و اليد العاطفة من طبيب نفسيّ مختصّ لتمسك به وتأخذه إلى برّ السّلام.

اقرأ أيضًا: وحدة أم عزلة

قد يعتقد البعض أنّني بكلامي هذا أنفي وجود السّحر!  وكيف لي فعل ذلك، وقد ورد السّحر وذكره في القرآن الكريم والسنة المشرّفة، ولكن ما لم يوجد معه هو اقتصار السّحر على كلّ شيء، ولم يُذكر بالقرآن أنّ كلّ وعكةٍ صحيّة إنّما هي سحر، فسبحان الله وُجد مع كلام الله تعالى عن السحر الترياق منه وبصفة فرديّة، أيّ أنّ كلّ شخص قادر على رقية نفسه بنفسه، وقد تطرّقت للحديث بإسهاب عن موضوع الرّقية في مقالٍ سابق، ولكن وللأسف وإلى يومنا هذا يعتقد الكثير بأنّ الذهاب للطبيب النفسيّ يعني نقصًا في الإيمان وأنّ ما لا يمكن علاجه بقراءة القرآن لا يمكن علاجه بأيّ شيءٍ آخر، وهذا خطٌأ فادح لأنّه شتّان بين الأمرين ولا علاقة لأيّ منهما بالآخر، ولا يستحسن ربطهما ببعض.

اقرأ أيضًا: رقية أم حبة دواء

هل ذهابي لطبيب يعالج أمعائي الّتي أتخمتها بمختلف ملذّات الطعام والشراب، وقد خالفت بذلك تعاليم ديني أن آكل وأشرب بدون إسراف؟!
هل يكون ذهابي هذا نقصًا في إيماني؟!
حبّذا لو سمّينا الأمور بمسمّياتها ووضعنا كلّ شيء بمكانه المناسب.
ومازال معنا من غابر الأزمان إلى هذا الوقت معتقداتٌ بالية بأنّ الذهاب للطبيب النفسيّ عيب وربّما نقص دينٍ، وخوف الكثيرين بأنّ من يذهب سيوصف بالجنون، وهذا أمرٌ علينا أن نتجاوزه فقد أكل الزمن وشرب على هذه المعتقدات.
الطبّ النفسيّ إنّما هو كأيّ طبٍّ آخر، عندما نجد علّةً في جسدنا نعالجها، وكذلك في أنفسنا، فإن لم نعش التوازن بين الجسد والنفس لا نستطيع الاستمرار بالحياة، ولا القيام بالواجبات.
سمعت عن حالاتٍ كثيرة لمرضى وسواسٍ قهريٍّ، أو غيره أودت بصاحبها إلى الانتحار، لأنّ ذويه عالجوه بكلّ الوسائل الممكنة مبتعدين قدر المستطاع عن الطبّ النفسيّ.
من تراه قتل هذا المسكين؟
أهله وأقربائه؟
طبيبه الشيخ الجليل الدجال؟
م معتقدات بالية مهترئة مازالت تسكن نفوس البشر؟!!

Leave A Reply

Your email address will not be published.