سحر المسافة

كتبت: مريم منصور

0

تختلف المسافة في العلاقات الاجتماعية، فلا نستطيع أن نقارن علاقتنا بوالدينا أو إخوتنا أو العائلة بشكل عام بعلاقتنا بأصدقائنا المقربين أو غير المقربين أو حتى بعلاقاتنا في العمل أو أصدقاء وزملاء الدراسة. فلكل علاقة مسافة معينة، علينا الحفاظ عليها وعدم تجاوزها، وعلينا العيش ضمن المسافة المخصّصة لكلّ علاقة والحفاظ عليها وألّا نتجاوزها سلبًا ولا إيجابًا. فلا نعطيها مسافة أكبر من اللازم ولا نضيّق عليها الخناق، كعلاقتنا بوالدينا على سبيل المثال، لها أكبر مسافة بين أغلب العلاقات، وهي من أقدس العلاقات وأهمّها. فلنحافظ على مسافتها وندعها كبيرة وواسعة، ولا نضيّقها كما يفعل الكثير من الأبناء، فيبتعدوا تدريجيًّا ويوسّعوا قدر المسافة التي تصلهم ويتعمّدوا البعد عن أهاليهم بادعاء أن من تعرّفوا عليهم لاحقًا هم الأجدر بهم والأكثر فهمًا لهم، ولكن هذا جرم في حقّ العلاقة الأولى والأهم في الحياة. فإذا أُسِّست هذه العلاقة بشكل صحيح ستبنى عليها سائر العلاقات بشكلٍ سليم وصحي.

أمّا إن وجد خلل ما في العلاقة الأولى سيؤثّر سلبًا على باقي العلاقات الأخرى، كمن يكون هشًّا في علاقته بأهله فما أن يصادق أول صديق حتى يتعلّق به ويتمسّك بعلاقته معه وينفّذ له كل رغباته خوفًا من اهتزاز العلاقة، فقد تذوّق طعم الاهتزاز ويخافه. وهذا الخطأ لأنّه لم يؤسّس علاقة جيّدة مع أهله من البدء، فباتت جميع علاقاته الأخرى هشّة وغير صالحة للاستمرار.

اقرأ أيضًا: تحقيق الأهداف

في بعض الأحيان قد تربطنا ببعض الناس علاقات متينة وقويّة ونكون من حيث لا ندري قد أعطيناهم ثقتنا وكل ما ينبغي أن يعطى بين الأصدقاء، ولكن للأسف قد يظهر لنا بعد زمن طويل أنّنا كنّا سيئي التقدير، لا نريد أن نخسرهم ولكن أيضًا لا نريد أن نعطيهم القدر الزائد الذي يفيض عن حاجتهم منّا.

هنا نسعف العلاقة باستخدام المسافة التي نضعها بيننا وبينهم، بحيث يكون للعلاقة حد تقف عنده، فلا ننهيها بشكل تام ولكن نحجّمها قدر المستطاع ونغيّر من شكل سيرها إن استطعنا، ولكن الأفضل لو أنّنا منذ البداية كنّا قد وضعنا مع أصدقاء العمل أو أصدقاء الدراسة أو أي أحد قد تربطنا به علاقة مؤقتة وربّما تمتدّ طويلًا. هذه المسافة لمدة زمنية طويلة ولا نخرقها قبل أن نعرف جيّدًا مع من نتعامل. فكم من القصص الكثيرة التي سمعناها عن غدر الأصدقاء المقربين وذلك لأنّنا أخطأنا منذ البداية وأطلقنا عليهم مسمىً لا يتناسب مع علاقتنا معهم واخترقنا كل المسافات وحرقنا المراحل مستندين على راحة قلوبنا عند لقائهم، وهذا مقياس خاطئ. فالتجربة هي أكبر دليل وكي لا نقع في مصائد الندم وخيبة الأمل، فلنحافظ على قوة مسافتنا ما استطعنا ولا نخرقها إلّا لمن أثبتت التجارب عليه أنّه فعلًا يستحق أن يدخل دائرة المقربين منّا، لأنّ الاقتراب الشديد يجعل عقل الإنسان مغيّبًا ولا يدرك ما يجري من حوله تمامًا.

كمن يكون مقرّبًا بشدّة من مشاكله فإنّه لا يستطيع حلّها إلّا بمساعدة أحد ممّن ليس واقعًا فيها، لأنّه صافي العقل تجاه هذه المشاكل، ويقاس ذلك تمامًا على العلاقة، فإن كنت مقرّبًا أكثر من اللازم ستقع في فخّ اللاإدراك ولا ترى الأخطاء التي تحدث أمامك مرارًا وتكرارًا، وتدّعي المفاجأة وهول الصدمة عندما تصاب بما يسمّى خيبة الأمل منهم. ولكنّ الخطأ لم يكن فقط منهم وإنّما من تجاهلك لأخطائهم المتكرّرة بغوص في علاقة لم تحدّد مسافتها منذ البداية. فلو كنت مدركًا منذ البداية هول ما تقدم عليه لما أقدمت.

وفي المقابل علينا احترام حدود الآخرين ومسافاتهم التي وضعوها ولا نقتحمها بادعاء أنّ علاقتنا معهم ليست سطحية وإنّما متينة وقويّة، فنترك هذه المسافة كما هي حتى يُفتح بابها وندخل بإذنهم وقبولنا.

وفي الختام أقول لا يمنع أن أضع مسافة بيني وبين من أخالط مع تقديم حسن الظن بهم، فلا نقع أيضًا في دوّامة الشك والخوف من الجميع، فندور في متاهة لا نستطيع معها الاستقرار على علاقة ما ونعيش بالشك من جميع من حولنا، والأفضل والأسلم هو الوسطية في كل شيء ووضع مسافة والمحافظة عليها ما لزم الأمر مع حسن الظن ولا تخرق المسافة إلّا بقبول الطرفين.

Leave A Reply

Your email address will not be published.