في سرعة تطوّر العالم واستطاعة الجميع الحصول على المعلومات بشكلٍ سريع، أصبح البشر أكثر قابلية لسماع الرأي الآخر وتقبّل جميع الثقافات، وهذا أمرٌ صحيّ نفسيّاً واجتماعيّاً، ولكن نتج عن ذلك تبعات جعلت الناس من كثرة ما ترى من الثقافات والعادات المختلفة والمتشعّبة، فبدأت معها تنبذ عاداتها وتراها بالية، وترى عادات الغير أو ربّما الغرب متقدّمة وجيّدة، أكيدٌ أنّ العادات والتقاليد ليست واجبة الاتّباع دون أن ندرك أهميّتها وفائدتها، ولكن لا يمكننا إنكار أن بعض هذه العادات والتقاليد أو الكثير منها لاسيما في البلاد العربيّة والإسلاميّة لها جذور عميقة ودلالات قويّة ولا يمكن التخلّي عنها فقط لمجرّد زعم أنّها تُسمّى عادات وتقاليد، وللأسف ارتبطت كلمة عادات وتقاليد مع كلمة بالية، فصار الجيل الجديد يلصقهما ببعض وينكر كلّ ما قيل له أنّه عادات وتقاليد، ولكن الحقيقة مغايرة لهذا تماماً.
لا ننكر أنّ هناك الكثير الكثير من العادات والتقاليد غير منطقيّة في وقتنا الحالي وتؤخّر هذا الجيل عن طريقه للاستقرار والنجاح في حياته، والأهمّ من ذلك أنّها منافية لتعاليم الإسلام، ولست في هذا المقال بصدد ذكرها وتعدادها لأنّ كلّ إنسان يعلم بنفسه كلّ عادة وما إن كانت سيّئة أم جيّدة، فالطيّب بيّن والخبيث بيّن وما اشتبه علينا نستطيع وزنه بميزان القيم والأخلاق حتّى نجد الجواب.
أمّا عن العادات الجيّدة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، عادة كرم الضيافة، أو الشهامة والنخوة، فاليوم صار يُسمّى من يُكرم الضيف ويحتفي به كثيراً شخصاً مُهدراً لماله ومسرفاً.
أكيد أنّ الإسراف أمرٌ غير محمود، ولكنّ إكرام الضيف الّذي هو صفة لاصقة سابقاً بالعرب لا يتوجّب فيه الإسراف، إنّما نستطيع أن نحافظ على هذه العادة الجميلة الرائعة، ولكن نهذّبها بحيث لا نحرم عوائلنا الخير بسبب فقط إكرام الضيف، فالاعتدال في كلّ الأمور فضيلة.
وكذلك بات اليوم من يغيث ملهوفاً ومن يملك الشهامة شخصاً ساذجاً بإمكان الناس استغلاله واستدرار عطفه ليلبّي طلباتهم، لا أدري حقّاً إن كان العيب في الشخص الّذي يقوم بتلبيّة المحتاج أم في المحتاج نفسه، والّذي يستغل من يلبّيه حتّى جعل الناس تنفر من هذا الفعل، ولكن ما أنا على يقين منه أنّ كلا الطرفين عليه بعضٌ من الخطأ، فالشهامة وأيّ صفة جيّدة علينا التمسّك بها وعدم تركها ولكن ليس بشكلٍ مطلق، فالاعتدال مطلوب.
فلننظر بحاجة المحتاج وحالة اضطراره، فإن كان شديد الاضطرار وكنّا قادرين، فما المانع؟!
وإن لم نكن قادرين فنلبّي قدر المستطاع بأن نكون صلة وصلٍ بينه وبين من يستطيع حقّاً مساعدته، وهكذا نكون قد حافظنا على عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة، ولا نظلم أنفسنا فقط للمحافظة عليها ولا نتخاذل ونتركها لتصبح عادات بالية بالفعل، ولا ننسى قول سيّدنا محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم: “إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق”.
فكثيرٌ من العادات والتقاليد الّتي نتّبعها اليوم هي كانت موجودة ومتأصّلة بين العرب وقد أيّدها محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ووافق عليها، لأنّ الفضيلة لا يختلف بحبّها أحد.
اقرأ أيضاً سحر أم مرض نفسيّ!