روح الاشياء والأماكن…

هل للأشياء روح؟ الأشياء!!!

كتبت: مريم منصور

عندما نضطر للرحيل بدون أي تخطيط مسبق تقل الاشياء التي ترافقنا في رحلتنا المؤقتة تاركين وراءنا كل اشياءنا بالانتظار.

هذا ما كان يحدث مع كل من أصاب الحرب بلاده فصارت في منزل كل عائلة حقيبة معدة مسبقا تحوي بعض الثياب الضرورية وبعض الأدوية اللازمة والقليل من الطعام المعلب بالإضافة الى الأوراق الثبوتية وما تبقى من مال.

تؤخذ هذه الحقيبة بسرعة في حال تم إعلان النفير العام والتهجير القسري عند الخوف على العائلة والنفس فتصبح حينها الاشياء اقل ما يقال عنها أنها أمور ثانوية.

مع الأيام وتكرار الرحيل صارت الحقائب عبئا على أصحابها فاستبدلوها بحقائب أصغر لا تحوي سوى الاوراق النقدية والثبوتية.

لان الجميع اعتاد أن يرحل أياما معدودة وربما تمتد لأسابيع ويعود اللقاء الحار من جديد ماسحا عن عيون منزله دموع الفراق ويشتم منه عبق الذكريات يتغزل بجدران منزله وهو يعاود تنظيفه يسترق النظر اثناءها لكل صغيرة وكبيرة فتعانقها عيناه بعد طول الشوق.

قد لا يكون حلو اللقاء بينهما طويلا فيضطر للرحيل من جديد فيودع اشياءه سريعا واعدا اياهم بالعودة كما في كل مرة.

لكن من يدري أن أحد هذه المرات ستكون الأخيرة؟!!

لن يلتقيا مجددا!!!!

ربما يمر من هنا عابر سبيل فيظن في قرارة نفسه أن هذا الكلام ربما مجرد هراء أو قد يتسلل لذهنه أن هذا الاشتياق مبالغ فيه فيمكننا بعد نفض غبار المصائب أن ننعم بأشياء جديدة وربما أثمن مما سبق لنا اقتناؤه.

ربما يكون محقا في تفكيره هذا لأنه لم يجرب أن يقتلع من مكانه مجبرا على ترك كل ذكرياته في طي اشيائه.

ربما استطاع اقتناء وسادة جميلة ومريحة لكن لن نستطيع ابدا ان تحل محل تلك التي كان يخفي رسائل حب المراهقة من أعين والديه ربما سيشتري مدفأة جديدة لكن أين هي من تلك التي كانت تتوسط الغرفة بكل زهو وهي تراقب الجميع يتزاحم ليتقرب منها وتخفي ضحكتها وهي تستمع لنكاتهم وأحاديثهم التي لا تنتهي.

ربنا سيشتري شاشة تلفاز كبيرة تناسب شقته الجديدة والتي لاتشبه أبدا ذاك المنزل الريفي المتواضع الذي غادره يوما ولكن لن ينسى ذاك الصندوق الاسود الكبير الذي كان يسمى تلفازا بعد ان أعدو حفله لقدومه بعد عناء طويل من الادخار والتخطيط.

كل شيء له قصته سنشتاق للأماكن أيضا ربما ذاك الركن المخصص لذاك الغائب العزيز والذي مازال ملجأ لعيوننا عندما نشتاق اليه مواسين أنفسنا بأننا نرى مكانه كل يوم ونشتم روائحه المتبقية أي مكان في هذا العالم بأكمله يستطيع أن يحل محله؟ مستحيل!!

ربما احتل هذا المكان مالكه الجديد ولكن هل سيشعر تجاهه كما كنا نشعر؟ هل سيعطيه الحب والدفء عوضا عنا؟

أو ربما اقتحم ذاك المكان أحد اللصوص وصار يبعثر اشياءنا النفيسة الغالية والتي لا تقدر بثمن كالكتب ودفاتر المذكرات ويرميها بعيدا عن وجهه فهي لن تجلب له ما يريد ويأخذ معه كل اشياءنا التي حاولت عبثا التشبث بمكانها بانتظارنا السابقة ليبيعها للأغراب الذين لم يشهدوا ولادتها ولم يكبروا معها.

هل اذا تمكنا بعد طول السنين من العودة لذات المكان الذي ارهقه الانتظار والشوق وأذبله الحنين فبدأ تدريجيا يعتاد هذا المقتحم الجديد وينسج الذكريات معه وينسى أن له مالكا قديما أتى مسرعا لعناقه فلم يعرفه ولم يبادله تلك الحراة فجعله يرجع مكسورا محاولا هذا أن يبحث عن تلك الرائحة فلن يجدها هي أيضا.

هل خذلتنا الاشياء والاماكن؟

أم نحن من قمنا بهذا الخذلان؟

هل سنتجرأ للعودة  اليها متلمسين بقاء الشوق عندها أم نبقيها مجرد ذكريات عالقة في بيوت عنكبوت أدمغتنا!!!!

Comments (0)
Add Comment