وسائل التباعد الاجتماعي

أضرار وسائل التواصل الاجتماعي

كتبت: مريم منصور

وسائل التباعد الاجتماعي أو وسائل التّشتّت الأسري و التي تعرف بوسائل التّواصل الاجتماعي ،نعم هي بالفعل ذات قيمةٍ عالية نستطيع من خلالها أن نبني جسوراً بين الدّول و القارّات و نقرّب المسافات البعيدة حتّى صار العالم بأكمله من خلالها يعيش واقعاً افتراضيّاً نعلم عن طريقه كلّ صغيرةٍ و كبيرة تدور بأصغر المدن في العالم ،صرنا نعرف الأخبار الهامّة ،و غيرها الكوارث و الحوادث … حتّى صارت عادات و تقاليد جميع البلدان مفتوحةً أمام بعضها البعض .

أصبحت الاستشارات أسهل و بدا إيجاد حلولٍ للمشاكل أسرع ،فبكلّ بساطة أيّ شخصٍ يمكنه أن يعرض مشكلته سواءً باسمه الحقيقيّ أم اسم مستعار حتّى تتهافت عليه الاقتراحات و الحلول من كلّ جهة .

ربما تجد أمّاً تساهم بالمساعدة في إيجاد حلٍّ لمشكلة أمٍّ أخرى أو تقوم بتقديم النّصح لسيّدةٍ مرّت تقريباً بمثل ظروفها أو تساعد سيّدةً أخرى لا تعلم كيف تتعامل مع ابنها بشكلٍ جيّد ،فتقدّم لهم نصحها على طبقٍ من ذهب .

بذات الوقت تهشّ ابنها الذي يأتي مسرعاً ليسرد لها ما حدث معه أثناء غيابه عنها فتتلاشى ابتسامته ،و يشعر بالبعد مجدّداً ،و تطير أحلامه أدراج الرّياح عندما كان ينتظر بفارغ الصّبر عودته لحضنها ليجده بارداً بعيداً .

هذه الأم أزاحت عن قلبها ثقل مسؤولية إنقاذ أمٍّ أخرى ،ثمّ تنهّدت بارتياح ،و لكنّها لم و لن تنتبه لما ثقبته في قلب ابنها الذي عاد للخروج ،و ربما لم يأبه بوقت عودته.

 أو ربما يساعد في حلّ بعضٍ من المشاكل رجلٌ يعاني من ضيق الوقت ،و الذي يقضي معظمه في العمل و الباقي في مسؤوليّته تجاه أسرته ،فرأى أنّ من حقّه أن يكون له فسحةٌ بسيطة على هذه المواقع ،و ربما أخطأت قدماه حتّى صار يدخل من ملفٍّ شخصيٍّ إلى آخر و ليس أيّ ملف إنّما ملفّات السّيّدات أو الفتيات اللاتي يقارن صورهنّ بصورة زوجته التي تقضي معظم وقتها في بيتها و مع أولادها و جرّاء هذه المقارنة تختلف معاملته تدريجيّاً حتّى يحلّ الجفاء و البرد بينهما ،و أثناء تلاطمه في أمواج التّصفّح ربما يأتيه أحد أولاده المراهقين ليعرض عليه مشكلةً ما تؤرّقه أو تهدّد مستقبله فيستمع له بنصف اهتمام و هو يختلس بين الحين و الآخر النّظر لهاتفه و يتصفّح و ربما يسرقه الاختلاس طويلاً حتّى يرجع للحديث فيكمل ما بدأه و هو يشعر بالضّيق عندما يراقب ابنه يتحدّث ،بينما يتسلّل هذا الشّعور إلى ابنه فيمنعه من التّحدّث بكلّ أريحيّة فيبدأ بالاختصار و الاختصار إلى أن يتلاشى الحديث بينهما تدريجيّاً .

لا نستطيع أن ننكر أنّ لهذه الوسائل فوائد كبيرة ،فهي تساعدنا بالقيام بواجباتنا الاجتماعيّة بكلّ يسرٍ و سهولة ،فما علينا سوى أن نمسك هاتفاً محمولاً أو نفتح حاسوباً و نكتب آيات التّهاني و أحرّ التّعازي مع أرقّ العبارات المعلّبة مسبقاً ،و لكنها وبذات الوقت أفقدت هذه الواجبات قيمتها الحقيقيّة ،و ربما روحانيتها التي وجدت أساساً من أجلها ،لا ننكر أيضاً أنّ من مزايا التّواصل أنّها قرّبت القريب الغائب و أمكنته من رؤية أهله الذين لربما حرم منهم قسراً لسببٍ ما ،و لكنّه و للأسف لا يستطيع شمّ رائحتهم من وراء هذه الشّاشات و لا يصل لأنفه رائحة عبق شوقهم .

صار اجتماع عائلةٍ في هذه الأيّام بوقتٍ واحد حلماً كي يبادلوا قصّةً أو موضوعاً ما بوجود الجميع مع عقولهم و أفئدتهم .

أصبح حلمٌ تائه تحاول الأمّ أو الأب ،أو أحد الأبناء التّعلّق به و لكن كيف له أن يعود و قد صار الشّرخ بين الأرواح التّائهة كبيراً ،فكلٌّ منهم قد تاهت روحه في مكان تاركةً أجسادها مرتخيةً على الأرائك .

وهكذا صارت تتسرّب الدّنيا وبهجتها من بين أيدينا و هنا يكمن السّؤال؟

ماذا لو انقطع هذا الشيء فجأة؟!

ربما ستعود المرأة لتعيش حياتها السّابقة مع أولادها، فتبحث عنهم جاهدة ،فلن تجد سوى أبناء قد كبروا بقلوبٍ بعيدةٍ جدّاً جدّاً عنها ،حتّى صارت مسألة تقريبهم و إعادتهم مسألةً تحتاج وقتاً و جهداً كبيراً ،و لم تعد تستطيع حلّها فقط بكتابة منشور و انتظار الرّدود .

سينظر الرّجل حوله ليرى زوجته و قد اعتادت بعده ،و ربما يثقلها الحديث معه ،و أولاده قد أصبح لهم أجنحة و قرّروا الرّحيل .

هل يعني هذا أن نترك سرب التطور يطير ونبقى في أزقة الذكريات الجميلة و نلتفت لبيوتنا و ننسى ربما الحياة خارجا؟

بالطّبع لا…

 يمكن لأيّ إنسانٍ أن يخلق التّوازن، ويدرّب نفسه على ألّا تسرقها هذه الأجهزة و لا تفقدها متعة الحياة خارج إطاراتها المزيّفة

Comments (0)
Add Comment