ألطاف الله عند الشدائد
نتقرّب إلى الله تعالى، ونستشعر حبّنا له عندما نملأ فراغ قلوبنا بالعطاء الإلهي من كلّ ما نريد سواءً العطاء المادّيّ أو المعنويّ، فأيّ تقدّمٍ لنا في الحياة يقرّبنا كمؤمنين من ربّنا، ويساعدنا على شكره من الأعماق، وفي الشّكر مزيدٌ من النّعم، وهذا ما نسمعه يتردّد بين المؤمنين .
أمّا عند الشّدائد فيختلف تقبّل النّاس لها، ولا يكون الرّضا هو قائد الموقف، وعند الكثير ينقلب هذا الرّضا إلى سخط، وعدم قبول بل وإلى اعتراض ربما يعبّر عنه بالأفعال لا بالأقوال.
رغم أنّ الإيمان الكامل لا يكون إلّا إذا تساوت الكفّتان في قلب كلّ مؤمن، وتساوى منسوب الرّضا عن الله في كلّ الأحوال، ولكن قد يسأل البعض عندما آخذ ما أريد أشعر بسعادةٍ وفرح، وعندما أصاب بمصيبةٍ ما أشعر بحزنٍ عميقٍ وألم .
فأنا إنسان ولا أستطيع كبت مشاعري؟
والجواب : هذا صحيح، وهذا طبيعيّ، ولا يتعارض أبدًا مع ما تحدّثنا عنه.
فالرضا عن الله تعالى هي حالة نعيشها بيننا وبين أنفسنا، حالةٌ تجعلنا أقوياء واثقين من كلّ خطوة لأنّ الله تعالى هو المحيط بنا، ويدبّر أمورنا بكلّ رشدٍ وكرم .
ونستطيع أن نكون راضين عن الله من أعماق قلوبنا مطمئنّين لقضائه في الشّدائد، ونحن نبكي ونشعر بالحزن، وهذا الرّضا هو الإيمان الكامل، والثّقة بالله .
و على الخلاف من ذلك ربما يكون البعض سعيداً، فرحاً بعطاء الله تعالى، ولكنّه غير راضٍ ضمنيّاً، فربما يتخوّف في خبايا قلبه من الزّوال، وهذا لا يسمى رضاً كاملاً فالرضا مطلوب بغضّ النّظر عن الشّعور بالسّعادة أو الحزن والرّضا هو التأكد من ألطاف الله تعالى في كلّ حال .
يمكن للسائل أن يسأل ألطاف الله تعالى في العطاء ظاهرةٌ واضحة، ولكن كيف للألطاف أن تكون عند وقوع أيّ مصيبة؟.
الجواب كي يصل بسهولة عليّ أن أضرب مثالاً : إذا رأت الأمّ طفلها يسير باتجاه منحدر، وكلّما نادته، وحذّرته من الوقوع استمرّ في سيره غير مدركٍ لكلّ هذه الكلمات اللّطيفة التي تناديه بها، وغير مستوعبٍ للهجة الحبّ الّتي يعلمها من أمّه لأنّ فضوله الطّفوليّ يدفعه للاستكشاف والاكتشاف .
هل على الأم كي تكون لطيفةً ومثاليّة أن تستمرّ بهذا النّسق، وهي ترى ولدها سينزلق قريباً ؟
أم أنّها ستهبّ نحوه، وتجذبه بقوّة، وربما تؤلمه وهي تسحبه باتجاهها .
هذا التّصرّف بالنّسبة للطفل شدّة وقسوة، قد يبكي من ألمهما، ويبكي لقسوة أمّه معه كما يراها بعين طفولته، وقد ينفر من شدتها، ولكن بعد اكتمال وعيه سيعلم أنّ هذه الشّدّة إنّما كانت مجرّد صفعة لتعيده للحياة، صفعة لتعيده للجانب الآمن . صفعة حميدة سيتمنى لو نال منها واحدة حينما يكبر ويكون وحيدًا يتيمًا.
ولله المثل الأعلى، وله أسرارٌ ولطائف في الشّدائد قد نعيش لنعلمها وقد لا نفهم أسرارها أبدا، لكن الأكيد علينا أن ندرك أنّ وراء كلّ شدّةٍ لطفاً وكرماً ورأفة .
وبناءً عليه علينا أن نسلّم عنان القلب والرّوح عند العطاء وعند المنع، عند الرّخاء وعند الشّدّة، وفي كلّ المصائب التي نراها بعين بشريّتنا مصائب، ونرضى عن كلّ ما أراده الله لنا رضاً تامّاً بيقينٍ مريح حتى ندخل جنته الدّنيوية قبل جنته الأخرويّة .