في هذا المقال سنتكلّم عن فطام البالغين، وليس الفطام الذي نعرفه، والذي يؤلم الطفل الصّغير ألماً نفسيًّا شديدًا جرّاء إبعاده عن شيءٍ إعتاده لمدّةٍ طويلة، ولكنّنا نقوم بفعل ذلك لأنّه لم يعد له ذات النّفع، وعليه أن يعتاد البديل، ولكن، هل يؤلم الفطام البالغ أيضًا؟
ما هو أصلًا الفطام عند البالغين؟
الفطام عند البالغين: هو الابتعاد عن كل ما يؤذي الجسد، أو ما لم يعد مفيدًا له، والاستعادة عنه ببديلٍ مفيد، فعندما يريد أيّ شخصٍ منّا أن يعتاد على أمر يبدأ بها بالتدريج، ثمّ تصبح عادةً روتينيّة كما تحدّثنا بالتّفصيل عن هذه النّقطة في مقالٍ سابق.
أمّا عندما يريد الشّخص ذاته الابتعاد عن أيّ عادةٍ سيّئة أراد التّخلّص منها بشدّة، فإنّ الأمر قد يختلف، والصعوبة فيها ربما تكون أشد لأنّنا ننتزع منه شيئًا قد أعتاد عليه، وألفه.
اقرأ أيضًا: تقدير الذات
لذلك أحببت أن أصف هذه المرحلة بمرحلة الفطام أي أنّ البالغ عندما يتخذ قراره بالتوقف عن العادة السّيّئة أيّما كانت، فلنقل على سبيل المثال أنّها عادة الابتعاد عن مشاهدة المقاطع القصيرة التي تتسبّب بإضاعة الوقت، وهدره بلا قيمةٍ مستفادة، ويتسرّب معها العمر دون تحقيق أيّ إنجاز رغم أنّ حامل هذه العادة قد يكون طموحًا، ووضع خطّةً كبيرة لحياته، إلّا أنّ هذه العادة تقف عائقًا بينه، وبين تحقيق أحلامه، فعليه بعد اتخاذ القرار أن يعلم أنّه سيمرّ بمرحلةٍ صعبة، وسيشعر بألم الفقد، ولكن علمه المسبق بفقد ذلك سيساعده كثيرًا في تجاوز هذه المرحلة بكثير من السلام فإنّه وكلّما شعر بألمٍ أو أنّه يريد أن يعاود هذه العادة لبضع دقائق كما تسوّل له نفسه كي تعيده للأمان الذي اعتادت عليه مسبقًا، وهي تقوم بفعل هذه العادة بشكلٍ متكرّر فسيستطيع تجاوز هذه المرحلة بعلمه أنّ هذا الألم إنّما هو ألمٌ مؤقّتٌ، وسينتهي قريبًا ما إن تحمّله.
اقرأ أيضًا: تحقيق الأهداف
هل صحيحٌ أنّ النّفس تشعر بالأمان عند فعل عادةٍ ولو كانت سيّئة؟
نعم فطبيعة الإنسان البشريّة تميل للارتياح المعتاد، فإذا اعتادت أمرًا معيّنًا سواءً سلبيًّا أو إيجابيًّا فإنّها ستعيش راحة، وستحاول بشتّى الوسائل المحافظة على نقطة الرّاحة هذه، ولذلك سنشعر بشيٍء يسمّى: أعراض الانسحاب، كأعراض انسحاب السّكر من الجسم عندما يقرّر أحد التّخلّي عنه سيشعر الشّخص بالوهن، والضّعف، ولكن ما إن تجاوز يومه السابع سيبدأ بالاعتياد، وهكذا سيكون الأمر تمامًا مع كلّ عادةٍ سيّئةٍ يتركها، وإنّ مقاومة النّفس البشريّة بمنطقة الرّاحة والحفاظ عليها ليست بالأمر السلبيّ إنّما له جوانب إيجابيّةٍ كثيرة، وهي أن المرء عندما يكتسب عادًة جديدة إيجابيّة تنفع في حياته وتساعده في طريقه نحو النّجاح، فبعد مقاومة مدٍّة معيّنة ستصبح اعتياديّة، وستفعلها النّفس بشكلٍ سهل وستقاضي عليها، وهي نقطٌة جيّدٌة، وهامّة، وهناك أمرٌ يساعد في التّخلّص من العادة السّيّئة، وهو أن نضع مكانها مباشرًة عادًة جيّدة كي تحلّ محلّها، وتخفّف من ألم الفقد نوعًا ما أو ألم الملل المصحوب للفراغ الذي ستتركه العادة للتي سنتركها مثلًا: لو أراد شخصٌ ما الإقلاع عن مشاهدة المقاطع القصيرة في وقت الظّهيرة، والتي تشغله كثيرًا عن أسرته فليبدأ باغتنام هذا الوقت وفتح حوارٍ مع أفراد الأسرة عن كلّ ما جد، وستشغله بالفعل هذه العادة الجديدة نوعًا ما، وإن لم ينته الألم معها نهائيًّا إلّا أنّ عدّة محاولات التكرار سيتمّ الأمر بعد ذلك، فبعد عدّة أيّام فيجد المتعة ذاتها ربما وأكثر الذي كان يجدها في إلهاء نفسه وإن أراد ترك تلك المقاطع مساًء فليجعل من وقت ما قبل النوم مخصّصًا للقراءة، ولينتقي ما هو مفيد، وسيشعر مع مرور الأيّام بالمتعة المنشودة التي أرادها.
اقرأ أيضًا: حياتك ما تريد
وفي الختام أقول إنّ طعم ترك العادة السّيّئة مرّ المذاق في البداية، ولكن طعم التّغلّب عليها، والانتصار سيكون أحلى من العسل، ولا ننسى أبدًا أنّ سرّ النّجاح في تحقيق كلّ ما نريد هو الاستمرار والالتزام.