هذا المقال هو الفصل الثالث من كتاب “الولادة من رحم المعاناة” للكاتبة مريم منصور
أشياء أضافها الإسلام لهم
من سعَة رحمة الله بعباده، والتي اتسعت للعالم بأسره، أنَ وجد قلبُ الَمؤمن الجديد ما يكفيه فيها، مُقدِّمةً له الدعم اللازم، مُعطيةً إياه قوة تمكنِّه من مواصلة سيره.
اتفاقهم جميعًا على إضافة الإسلام لهم الكثير ليس بالأمر الْمستغرب، إنما ما يثير الدَّ هشة .. هو إجماعُهم على الحصول على شعور الهدوء والسكينة مع نطق الشَّهادتين إلِى هذا اليوم، وما يتوقَّ عونَهُ من مرافقتها لهم مدى الحياة، سبحانه وتعالى جلَّ مِن قائل:
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾
هذه الرحمة التي أحاطت قلوبهم، لتزيد من إيمانها، وتُقدِّم لهم السَّكينة كهديةٍ ربانيَّة:
﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾
علم ما في قلوبهم من صدق النوايا، والحرُقة من صعوبة الأمر عليهم، فأنزل السكينة كي تدعمهم، وتكون لهم حِرْزًا كافيًا.
لكم قرأت هذه الآيات، وشعرت برحمة الله تعالى ورفقه بعباده، إلا أنني هذه الَمرة شعرت بوَقْعٍ جديد على قلبي، وَقْعِ رحمةٍ من الله لا تتسع لها السماوات الأرض، هزت قلبي، فملأته حُبَّاً.
ما يلبث الراوي بالسرد الَحُزن الَفرح في نفس الوقت من وصف مرارة أَلَمه حتى تتسارع نبضات قلبه، ويزداد البّيق في عينيه، وهو يصف ذاك الشعور الحلو الَذاق، الَرافق للألم، حتى أُكفكف عبّاتي وأُهدئ روحي التي بدت تلاحظ معانيَ جديدةً ولطائف لقِرآنٍ لا ينضب إعِجازُه، كبحر نقف في أوله ولا ترى له نهاية، كلما غُصنا في أعماقه اكتشفنا ما يبهر الفؤاد.
في كل هذه الَمشاعر الجميلة التي عشتها، يقلقني شعورٌ غريبٌ، يحمل حزنًا عميقًا، متسائلةً في نفسي: إذا كانت هدية الله تعالى لكل مؤمن سكينةً وراحةً، فأين هي منا نحن مسلمي الأصل؟! وعَدَها الله كل مؤمن، ووَعْدُ الله حقٌّ، فأين هي؟ ولم لا نشعر بها؟!
لربما الخلل في إيماننا إذًا؟ أو هو التفسير الخاطئ لَمعاني الصبر والابتلاء؟ أن أكون تحت أيّ اختبارٍ أو ابتلاءٍ لا يعني أن أجتازه بدون سكينةٍ وهدوءٍ ورضًا تام.
اللهم اجمع شتات إيماننا، وألبسه تاج السكينة.
الأمر الآخر الذي أضافه الإسلام لهم، هو روح الإيجابية والتفاؤل.
بقدر حالات اليأس، ومحاولات الانتحار من البعض، شـعرت – دون أن يخبروني- بقوة إيجابيَّتهِم، وارتفاع معنوياتهم إلِى أعلى مستوى، مما جعل القلق يعود إليَّ مُددًا، لحالنا اليوم، وغالبيتنا العظمى تعيش في التشاؤم الَمنهيِّ عنه، قال تعالى في كتابه العزيز:
﴿وَلَا تهِنوُا وَلَا تَحَزَنوُا﴾5
5 سورة آل عمران الآية 139.
متاهة من الأسئلة
أدور في متاهةٍ من الأسئلة:
ما الذي سيتغير إذا عشنا حياتنا بطريقهٍ إيجابية أم سلبية؟ ما المختلف لو عشنا متفائلين أم متشائمين؟ هل سيُلغي التفاؤل شقاءنا؟
الإسلام إنما حثَّنا على العيش بإيجابيةٍ وتفاؤلٍ، وكره التشاؤمَ والسَّلبية اللذين يعُرقلان صاحبهما، ولا يغيران من واقع الأمر شيئًا، والأمر مُختلف في نقيضهما، فهما يفسحان الَمجال للعقل والفكر كي يسبحا في أعماق الكون، ويلتقطا كل الأفكار التي تأخذ بصاحبهما للنجاة والسعادة.
أمرٌ آخر جميل أضافه الإسلام لهم، هذا الأمر قد يبدو لنا عاديًّا، فنحن نعيشه بطبيعة الحال، بينما هو حلمٌ للبعض، وهِبةٌ من الله حلَّت بُيوتهم فأشعلتها نورًا، ألا وهو الحياة الأسُريَّة والاجتماعية، والتي يعاني الفرد في بلاد الغرب من فُقدانها، فمجَّرد بلوغ الشاب أو الفتاة الثامنة عشرة من العمر، يترك منزل أهله ليعيش مُنعزلًا، وسط مُجتمعٍ لا يشغل بالَه إلا العمل والحياة العملية.
عندما طبقوا أوامر الله تعالى القائل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾[1]، ظهرت آثارها عليهم، اطمئنانًا، وسعادةً برضا الله تعالى، وظهرت على عوائلهم، فخرًا بأبنائهم، متجاهلين السبب.
التقيت مرةً إحدى الْمسُناَّت في مكانٍ عامٍّ، وأثناء تبادل الحديث، قالت لي: كم تمنيَّتُ أن يكون أحد أبنائي مسلمًا .
عجبت كثيرًا من قولها! فسألتُها عن سبب أُمنيةٍ لأحد أبنائها وليس لها هي، شعرتُ بالأسى عليها وهي تحاول إخفاء دمعتها قائلةً: كي يزورني، ويهتمَّ بشؤوني، كما يفعل ابن جارتي معها.
رقَّ قلبي لها، وتعاطفت معها، ولكنيّ تذكرت رحمة الله تعالى بخلقِه، فهو أعلم حالًا بكيفية امتحان كل شخصٍ على وجه البسيطة.
لم تكن الأسرة وحدها ما أسعدَهُم، بل للأخَّوة في الله دورٌ كبيرٌ في افتخارهم بدينهم الجديد، الذي يحمل قِيمًا لم يكونوا ليدركوا قيمتها الحقيقية قبل خوض تجربة العيشِ معها.
بعد أن كانوا مُنعزليِن عن الَمجتمع، باتوا جماعاتٍ وإخوانًا يتفقَّدُ الأخ فيهم صاحبَهُ إن تأخّر عن صلاة جمعةٍ أو درسِ عِلمٍ، وعاشوا في ظِلّ الَمساجد جميع الأجواء الدينية، من أجواء رمضانيةً وأعيادٍ، فقد كانت الَمساجد تحاول جَهدها فِعلَ ما استطاعت إليه سبيلاً لإيصال هذه الرَّوحانيات إلِى كل الَمسلمين الَمقيمين بعيدً ا عن أوطانهم.
لا ريبَ إذن من تعظيم الإسلام لشِأن الأخُوَّة وجعلها في الصفوف الأولى لعلامات الَسلم، قال تعالى في كتابه العزيز:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
سورة آل عمران الآية 3
﴿إنما المؤمنون أخوة﴾
سورة الحجرات الآية 10
قال رسول الله ﷺ :"المسلم أخو المسلم "
صحيح البخاري حديث رقم 2442
كل هذه الأشياء التي أُضيفت لهم بسبب الإسلام، لم تكن وحدها فحسب، بل أضاف لهم أيضًا أهدافًا جديدة عاشوا من أجلها، وصار تحقيقُها جُهدَهم الجاهد.
الأهداف كثيرةٌ لا يتسع المَجال لذكرها، ولكن من أهمّها، وما أجمع الكل على ذكره، ألا وهو هدف تعلُّم اللغة العربية، للتمكُّن من قراءة القرآن الكريم كما أُنزل من الله، وفهم نصوصه ومدلولاته، وتعليم أولادهم لغةَ دينهِم الإسلاميِّ ، واللفظ الصحيح للقرآن الكريم، صار هذا شغلهم الشاغل، فهل كان يومًا لنا هدفًا؟ أو أعطيناه حقّه علينا؟
بحمد الله تعالى وفضله عليّ أن أعطاني شرف القيام بهذا الدور العظيم، والذي أعتبّره فرصةً للتكفير عن تقصيري.
أستمعُ لترديدهم أحرفًا دخيلةً على لغتهم، فيَكتسيني شعورٌ بالخجل التامّ من عدم الحفاظ على ما تعلمناه بالفطرة.
يحتاج الشخص فيهم عُمُرًا بأكمله لتحقيق هدفه في التلاوة الصحيحة، وربما عُمرًا آخر لفهم ما يقرأ.
هذا ما كان لنا أمرًا اعتياديًا نستطيعه بكل بساطة.
لو قرأ الشخص منهم آيةً واحدة بشكلٍ صحيحٍ، يكاد يطير فرحًا، ويتلقّى الَمباركات والتَّهاني من الآخرين، وأنظر إليهم بعينيَّ الذابلتين، مُذكّرة نفسي، لَكَمْ تَلوْتُ وتَلَوْتُ، بشكلٍ صحيح على الأقل، فأنا أفهم ما أقرأ، ولست أقرأ لغةً لا أفهمها لَمجرد أنها اللغة التي أُنزل فيها القرآن على رسولنا الكريم ، فأستحي من الله تعالى.
نقرأ القرآن ونفهمه؟ هل طبقناه؟ أم هل تفكرنا؟
[…] اقرأ أيضًا: المسلمون الجدد… أشياء أضافها لهم الإسلام […]