عندما يقع أيّ مسلمٍ في ضيقٍ، أو كربٍ، أو أعراضٍ مشابهة، فسرعان ما يلجأ إلى الرقية الشرعيّة كوصفةٍ طبيّة يتجرّعها مسرعًا، ويشرب الماء بعد حبّة الدواء هذه، ثمّ يتصنّع أنّه قد تعافى، وقد ذهب البأس، ولكن لا تزال الأعراض موجودة، فينقسم الناس في تفسير هذا أقسام ،قسمٌ منهم يرى أنّ بقاء الأعراض رغم تناول حبّة دواء الرقية بسبب نقص إيمان الشخص الذي رقى نفسه، أو أنّه شخص غير مؤهلٍ للاستجابة من الله بما أنّه فقيرٌ بإقامة العبادات، وقسمٌ آخر يرى أنّ سبب ذلك يعود إلى خطٍأ في ترديد بعض الآيات، فيستبدلها ويبحث عن الآيات المناسبة لحالته، وقسمٌ أخير يرى أنّه شخصٌ بشري لا يستطيع شفاء نفسه، إنّما هو بحاجةٍ إلى واسطةٍ بينه وبين الله تعالى، فيلجأ إلى المشايخ وعلماء الدين الأفاضل ليتدخّلوا كواسطةٍ تزيح عنه الهم، وهم إنّما يقومون بذلك عن طيب نفسٍ وعن قصدٍ إنسانيّ بدون أن يتّخذوا مكان الوسيط، ولكن من لجأ إليهم هو من وضعهم في هذا المكان، وهذا خطرٌ كبير، فعلى كلا الجهتين الانتباه.
اقرأ أيضًا: وحدة أم عزلة
لطالما أمعنت النظر وفكّرت مليًّا في سبب عدم الترياق لكلّ من طلبه رغم أنّ الله تعالى قد أكّد ووعد أنّ في القرآن شفاء، أكيدٌ أنّ هناك خطًأ ما، وبعد طول تفكّر توصّلت للسبب
هو أنّ من يقرأ القرآن بقصد الرقية يفتعل خطًأ فادحًا بدون قصدٍ إلّا من رحم ربّي، وذلك لأنّه يأخذ الآية وكأنّها حبّة دواء، وهي فقط ستقوم بعلاجه وهو ما يجب عليه إلّا أخذها والسلام، والخطأ هو أنّنا فهمنا الموضوع ربّما بطريقةٍ عكسيّة، لذلك لم نستفد منه كما كنّا نرجو.
القرآن الكريم هو كلام الله تعالى و لا يشفي ولا ينفع ولا يضر إذا قرأناه دون أن نستشعر قائله وقدرته وحكمته.
المقصود من قراءة القرآن الكريم هو اللجوء إلى الله تعالى لا إلى كتابه ككتابٍ فحسب، هذا هو المعنى الخفي وراء عدم الاستفادة، وحصر البعض لمفهوم الرقية لبضعة آيات معيّنة، وقراءتها بشكل روتيني وسريع، وربّما بدون إدراكٍ ولا فهم لأيّ كلمة ولا استشعارٍ لأيّ معنى.
ولم يرسل الله تعالى لنا القرآن لهذا القصد، عندما نادى سيدنا يونس في بطن الحوت “لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين”، لم يقرأها لأنّها حبّة دواء تؤخذ في حالات الضيق الشديد، وربّما بعددٍ معيّن، وبسرعةٍ شديدة، ولم يطلب من بعض أصدقائه القراءة معه للمزيد من الاستفادة، إنّما قالها من أعماق قلبه وروحه وعقله معًا، استشعر كلّ كلمةٍ منها وأجابه الله تعالى بتحقيقه.
قد يقول البعض أنّ الله تعالى أجابه لأنّه نبيّ!
اطلع أيضًا على: سحر أم مرض نفسي
حاشا لله أن يردّ أحدًا أيًّا تكن مرتبته حتّى ولو كان شديد البعد بإقامة العبادات، إنّ الله لطيفٌ بعباده وليس فقط بأنبيائه، لذلك وعندما نشعر بأنفسنا أنّنا نحتاج إلى رقية أوّل ما نقوم به هو إخلاص طلب الله تعالى أن يفكّ الكرب بقدرته، فلا قدرة لبشرٍ مؤذٍ فوق قدرة الله ،ولا قدرة لجانٍ ولا إنسٍ فوق قدرته جلّ في سماواته، وبعد هذا الشعور نقرأ لو أردنا ما تيسّر من الآيات باستشعارٍ لكلّ كلمة وكلّ حرف رغم أنّه وقبل القراءة، سيأذن الله بالشفاء وفكّ الكرب، ولا نتخذ وسيلة بيننا و بين الله تعالى، فالله ليس بيننا و بينه أيّ حجاب ولا نحتاج إلى أيّ واسطة من خلقه، ما نحتاجه هو فقط قلبٌ صادق الحبّ لله، وإيمانٌ كافٍ يزيح كل المخاوف، فالله تعالى لم يطلب منّا قبل الدعاء له اصطحاب إمامٍ، أو عالمٍ، أو شيخ، هذا إن كان العالم أو الشيخ حقًّا عالمًا أو شيخًا، والأسوأ إن كان من أولئك الذين يتخذون من هذه الأمور تجارة، و يدّعون أنّهم أقدر من الله على الشفاء، وأنّ وسائلهم هي الأنجح وإن تستّروا خلال علاجهم بقراءة آياتٍ من القرآن، فأولئك خطرٌ كبير، أجارنا الله.
كيف للخوف أن يطرق باب من له إله ملك السماوات والأرض وما بينهما؟!
هل ستنام خائفًا متوتّرًا لو أنّ أيّ مَلِكٍ من ملوك الدنيا وعدك بأن يردّ عنك أيّ أذى؟!
فكيف إذا بالله القادر على إزالة أيّ ملكٍ في أيّ وقت قد وعدك “ادعوني استجب لكم”.