ذاك الشوق الذي بالكاد يوصف، ولا يقارن أبدًا بشوقنا لشيءٍ آخر، إنّه الشوق لمكان، وكيف هذا..؟!
بالفعل، إنّه شوقٌ لا يعرفه إلّا من تذوّقه، وقد اتفق على هذا الشوق والحب جميع البشر باختلاف أجناسهم ولهجاتهم وبلدانهم، كلّ إنسان يحبّ ويشتهي زيارة الكعبة ورؤيتها، والتقرب لله بالعمرة أو الحج، ونيل الثواب العظيم بالطواف حول الكعبة وأداء المناسك.
اقرأ أيضًا: فضل قراءة القرآن الكريم
لكن حالما تدخل الحرم المكّي وتلتقي عيناك ذاك الجلال المتلألئ حول الكعبة المشرفة، تكاد خفقات قلبك تلهب روحك ولا تدري بنفسك أين تقف، يقع حب الكعبة في قلبك من حيث لا تدري، هذا شعورٌ لا يستطيع قوله إلّا من عاش هذه التجربة فعلًا، قد تقف لبضع دقائق وربّما تمتد وأنت مذهولٌ في مكانك من هول ما أصابك، تدرك حينها أنّ الشوق مرضٌ لذيذ المذاق، لذا يتغنّى الشّعراء به، ولكن هذه المرة هو إنّما شوقٌ لمكان، لجماد، لحجر.
أمّا الصعب والأصعب فهو ذات الموقف وذات النظرة وذات اللقاء، ولكن عندما تكون النظرة الأخيرة أو نظرة الوداع، سيتمزّق القلب حرقةً وألمًا على فراق مكانٍ أو مبنىً ضخم.
يا للعجب لمن يرى المشهد من بعيد، أمّا من عاشه وتذوّق الطعم فسيدرك أنّه وقع فعلًا في حبِّ أشرف بقاع الأرض، وهذا الحب سيتحوّل إلى حنين ريثما يعود إلى وطنه تاركًا قطعةً من قلبه هناك، سيلتهب شوقًا لرؤيتها والعودة لزيارتها مهما كلّف الأمر من مالٍ وجهد، فلا شيء يطفئ لهيب الشوق إلّا الزيارة.
اقرأ أيضًا: الامتنان والحمد
أمّا عن الشوق للمدينة المنوّرة المحبّبة، فهي حكايةٌ تشبه هذه الحكاية، ولكن بمشاعر تختلف قليلًا، فعند الزيارة الأولى للمدينة تشعر وكأنّ عملية الزمن عادت بك إلى مئات السنين وبالذات إلى العام الذي أُسِّست فيه هذه المدينة على يد النبيّ محمّدٍ صلَّ الله عليه وسلّم وصحابته الكرام، ستنسى كلّ ما يجري حولك من حضارةٍ وتطوّرٍ في البنيان، ولن ترى أمامك إلّا يدا النبيّ محمّد صلَّ الله عليه وسلّم مفتوحتان لاستقبالك وضمّك، ستشعر أنّه قد ضمّك بالفعل وسعد بزيارتك، سترى طيفه يحول في المكان، ستبكي كثيرًا بكاءً بحرقة تلوّع قلوب من يراك ولكنّها تطفئ نارك، إنّه بكاءٌ لذيذ المذاق، سيقتلعك الناس من مكانك للمغادرة وأنت لا تريد الذهاب تودُّ لو أنّ عجلة الزمن تتوقف ويغادر الجميع ويتركوك بهذا المكان تقضي مع هذه المشاعر بقية عمرك.
سيتمكّنون في النهاية من اقتلاعك من هذا المكان، ولكن ليس بشكلٍ كامل، سيترك قلبك هناك لأنّه لا يستطيع أحدٌ على إجباره على العودة معك للوطن، سيخونك في تلك اللحظة ويودّعك ويتابع العيش هناك، وبعد مرور الأيام وربّما الأشهر أو السنوات، ستعتقد أنّك نسيت، ولكن مجرد ما أن تخطر على بالك تلك اللحظات، ستنهار شوقًا متذكّرًا ذلك القلب السعيد الحظ بقدرته على التجوّل والبقاء حيث أراد. وها هي بضعة أبياتٍ من الشعر تصف بعض ما يختلج في الفؤاد ويصعب علينا وصفه:
جاء الفُراقُ لأرضِ مكّةَ بعد ما
كان اللقاءُ على القلوبِ مؤثِّرا
فذهبتُ للبيتِ العتيقِ مودِّعًا
فاثّاقلتْ رجلاي أَنَّي أَهْجُرا؟!
وانهلَّ من تلك العيونِ سحائبٌ
بالجمرِ يغلي هائجًا أو فائرا
فوضعت كفّي فوقَ أحجارٍ بدتْ
للبيت. هل يا بيتُ أرجعُ زائرا؟
يا بيتُ هل هذي نهايةُ عهدنا؟
يا بيتُ وَدِّع بالسلامِ مسافرا
طوَّفْتُه بالدمعِ سبعًا داعيًا
عَوْدًا من الرحمان برًّا طاهرا
تلك المناسكُ قد جمعتُ صحيحها
واسأل كتاب الحج, واسأل جابرا.
وأخيرًا… للاطلاع على سلسلة مقالات المسلمون الجدد… اضغط على تلك الصورة
اقرأ أيضًا: رمضان حقيقي أم عادات وتقاليد