لا تُبطِلوا صدقاتكم بالتصوير

كتبت: مريم منصور

الصّدقة من أحبّ الأعمال إلى الله تعالى، وهي بابٌ من أبواب الخير وسبيلٌ للفوز برضا الله تعالى وأكثر الأعمال إخلاصًا إن تمّت كما يجب.

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “سبعٌة يظلّهم الله في ظلّه، لا ظلّ إلّا ظلّه، وذكر من هؤلاء السّبعة، ورجلٌ تصدّق بصدقٍة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه”.

لو دقّقنا النّظر في معاني هذه الصّدقة لرأينا أنّ السّرّ والأساس في هو السّتر على المحتاج وعدم خدش كرامته وأنفته كما سنجد هذه المعاني في الآية الكريمة من سورة البقرة قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى .

صدق الله العظيم الكريم الحليم الذي لا يغيب عن عطفه وكرمه أدقّ وأصغر الأشياء فأمرنا أن لا ننقض ثواب  خيرٍ نقوم به بالمنّ والأذى.

اقرأ أيضًا: حياتك ماتريد

الكثير منّا ركّز على كلمة المنّ واعتقد أنّ الأذى هو المرادف لها أي أنّ المن يجلب الأذى للشخص، ولكن حاشى لله أن يضيف كلامًا لا أهمّيّة له كلمة الأذى بصغر حجمها تنطوي تحتها معانٍ كثيرة، وربما لا متناهية، فالأذى متعدّد ومتنوّع وكلٌّ منّا يستطيعه بقصدٍ أو بدون قصد، عندما نقوم بتقديم العون لأيّ محتاج قد نسدّ حاجته المادّيّة كالطعام مثلًا أو تأمين مأوى، وهذا أمرٌ ضروريّ، وهو عمل خير و نثاب عليه ولكن علينا التّدقيق والتعلّق بدقائق الأمور وخفاياها، وأن نساهم في سدّ حاجة المحتاج المادّيّة، والمعنويّة فأن يحتاج شخص ما مأوى أو طعامًا هذا لا يعني أنّه لا يفتقر ولا يحتاج أيضًا إلى الكرامة، فكما نسدّ حاجته في الطعام علينا سدّها أيضًا في الكرامة، وأن لا نريقها أرضًا، ونحن نسدّ رمق الجوع الذي يستطيع الشّخص تجرّع ألمه بشيءٍ أقل من تجرّع ألم فقد الكرامة، وهو يشاهد نفسه على شاشات التّلفاز أو منتشرًا على مواقع التّواصل الاجتماعي يصافح بيده بطلًا قد تكبّد العناء حتّى استطاع الوصول إليه بعد أن جمع التّبرعات بكلّ حبٍ وصدق، وقاوم كل الضّغوطات والصّعوبات ليصل إلى هذا الهدف المنشود، ويقف بجانب المحتاج، ويلتقط معه صورة وهو يشعر بالفخر والعز والإنجاز والرضا الكبير أن وصل إلى ما يريد، وكيف له أن لا يكون سعيًدا بعد أن تجاوز كلّ مراحل التّعب، ووصل وها هو يلتقط صورة موثّقًا ما فعل، وعلى الطّرف الآخر تبدو هناك شفتان بالكاد تبتسمان لأنّه طلب منها الابتسام، وكيف لها أن ترفض فمن طلب منها هو ولي نعمتها.

نشاهد الصورة ونسعد بالمثاليّة التي فيها، ولكن لا أحد منّا ينظر إلى أعماق نظرات المحتاج المكسورة، والذي قد وافق على التّصوير مقابل الطّعام أو أنّ الأمر ربما لم يتمّ كذلك، لم تبد المسألة على أنّها صفقة، ولكن في حقيقة الأمر هي صفقة :لأنّ المحتاج سيشعر بأنّه قليل التّهذيب إن رفض التّصوير ، وبهذا ستكون موافقته شكليّة فلا أحد على وجه الكون يقبل بهذا الذّل هذا كلّه لو كان المحتاج كبيرًا أو شخصًا بالغًا، ولكنّ الأمر سيكون أبشع لو كان طفلًا صغيرًا يبتسم من أعماق قلبه، ولكنه لا يدرك أنّه سيدفع بقيّة عمره ألمًا جرّاء هذه الابتسامة في الصّورة، فنكون قد قتلنا إنسانيّته بأيدينا، ونحن نقدّم العون له.

نرشح لك قراءة سلسلة مقالات المسلمون الجدد… من هـــنـــا

قد يعترض قائل ليقول إنّنا لا نقوم بالتصوير لإحراج المحتاج إنّما نقوم به لتوثيق إيصال الصدقات، وأقول لديه الحق فلا يحبّ أيّ شخصٍ أن يشعر بأنّه ليس أهلًا للأمانة، ولكن نستطيع التّصوير مع التّشويش على وجه المحتاج لو كان هذا حقًّا هدفنا، وقد يقول آخر إنّما نصوّر لكي نشجّع النّاس على التّبرّع، وهذا أمرٌ جيّد وأنا أتّفق معه شرط أن نقوم أيضًا بالتشويش، فإن كان الغرض هو التّشجيع أو التّوثيق فلا داع أبدًا لإظهار هويّة الأشخاص لأنّ الأذى الملحق بهم أكبر حجمًا بكثير من الفائدة المرجوّة ارحموا عزيز قومٍ ذل.

هل لأحدٍ أن يعيش هذه المقولة لعدّة دقائق ويتخيّل نفسه مكان هذا المحتاج ولو لدقائق قليلة؟

هل لأحدٍ أن يتحمّل شعور العوز والمنّ والأذى مقابل سدّ رمق الجوع؟

هل نستطيع أن نبادل الأدوار، هل سيكون البطل المغوار مسرورًا لو أنّه مثّل دور المحتاج، ولو على الأقل في الصّورة ؟

بالتّأكيد لا لن يكون مسرورًا.

أناشد كلّ من يحمل إنسانًا في أعماقه أن يأخذ الأمر على محمل الجد، وأن يستمرّ في التّصدّق والإحسان، بدون إحراج.

وأقول في الختام

لا للتصوير،

لا لهدر الكرامة.

Comments (0)
Add Comment