هوية الطفل في المغترب
تختلف الأسباب في هجرة الناس وتغير بلدانهم، وتختلف معها لاحقا كيفية تحقيق التوازن لدى الطفل بين مجتمعه الجديد والقديم.
فهناك من يهاجر بسبب تحسين الوضع المادي أو التعليمي بعد دراسة جدية لأبعاد الهجرة من كل الجهات وتهيئة أطفاله الصغار قبل تغير مكان اقامتهم، هذا تختلف ظروفه عمن هاجر لنفس الأسباب ولكن قد تجاوز أطفاله مرحلة الطفولة الى المراهقة.
الاغتراب وتوابعه سيكون أقل وطأة على قلب وعقل الصغير وسرعان ما سيتأقلم على وضعه الجديد ولكن يكمن الخطر هنا أيضا في أنه سرعان ما سينسى موطنه الأصلي مع مرور الوقت وتكوينه صداقات جديدة واندماجه في عالمه الجديد، ويعود السبب لقلة الفترة الزمنية التي قضاها هناك.
أما الطفل الأكبر أو المراهق فسيكون الوضع من البداية أصعب ومسألة اندماجه أو نسيانه ستحتاج وقتا أطول فقد اقتلع من جذوره وعاداته ولن ينسى بسهولة عائلته وأقاربه ورفاقه وسيفتقدهم في أدق التفاصيل وهذا ما سيأخر مسألة اندماجه.
هذا كله اذا كان الطفل يعلم مسبقا بموضوع سفره وقد أعد نفسيا قبل ذلك ويختلف الوضع بشكل كبير في حال عدم تهيئته وسيكون الامر لديه مؤلما في حالة تذكره بلده الأم وفي حال عدم قدرته على الاندماج في بلده الجديد.
والأصعب من ذلك كله ذاك الطفل الذي هجر قسريا من بلده تحت ظروف قهرية واضطر للمغادرة مع أهله دون أي اعداد مسبق وسيكون الاغتراب بالنسبة اليه سواء كان طفلا صغيرا أو مراهقا أو حتى بالنسبة للأهل سيكون مؤلما للغاية ولن تستقر نفوسهم وستضيع آمالهم بين موطنهم الأصلي والبلد الجديد ولن تتقبل قلوبهم الاقامة الجديدة وستبدأ في عقولهم رحلة المقارنة في كل شيء وسيفضلون دائما ذاك الذي تركوه وراءهم حتى ولو كان عبارة عن أبنية عشوائية أو فوضى الأزقة وغيرها من الأشياء التي كان تضايقهم ويتمنون تغيرها، وهذا ما سيؤجل بشكل كبير قصة حبهم لبلدهم الجديد الذي لا يرونه الا مجرد دخيل على حيلتهم مستعدين للعودة الى حضن وطنهم بأي وقت.
ولكن مهما اختلفت الاحوال والاسباب في هجرة الطفل سيأتي يوم تنقلب فيه الموازين وسيعتاد في نهاية المطاف بلده الجديد ويألفه.
اقرأ أيضًا: وسائل التباعد الاجتماعي
وهنا تبدأ المعركة
عندها سيدرك الأهل أنهم وقعوا في فخ كبير ففي رحلتهم لعلاج الاندماج ومن حيث لا يشعرون بدأت لغة ابنائهم العربية تندثر عندما يفتقدون حديثه حتى داخل المنزل بلغته الأم وقد كانوا هم من بدأ تشجيعه وصفق لأول كلماته لأنها الطريق للمثالي للاندماج وما أدركوا خطورة ذلك الا عندما بدأ طفلهم يسأل عن معان للكلمات العربية التي يسمعها ولا يفهم دلالاتها، وسيدركون للأسف بعده تدريجيا عن ديانته وربط كل طقوسه الدينية ببلده الأم على أنها عادات وتقاليد ومميزات يمتاز بها بلده لا أكثر.
لا ننكر أن تعرف الطفل في سن مبكر على ثقافات متعددة سيكون مفيدا بشكل كبير وسيجعل مداركه أوسع ووعيه أكبر ولكن بشرط أن يتنبه الأهل لهذا يصلح أن يسمى سلاحا ذي حدين ويبقوا متيقظين من البداية لتوازن كلتا الكفتين.
اقرأ أيضًا: النخوة العربية أم الحضارة الغربية…
لذلك يجب على الأهل سواء قرروا السفر من تلقاء أنفسهم أو أكرهوا عليه أن يدركوا هذه المخاطر من البداية ويقوموا بسد الطرق عليها قبل تسللها إلى حياتهم بغرس أصول اللغة العربية واساسات الدين في بدايات قدومهم لصعوبته لاحقا وبالرغم من صعوبته الا أنه من الجيد تداركه بلحظة وعيهم له قبل فوات الاوان .
علما ان هذه الأمانة والمسؤولية ليست بالأمر السهل مطلقا ولكنها أيضا ليست أمرا مستحيلا فمع المثابرة والاستمرار ستغدو نتائج تعبهم قريبة المنال وسيتذوقون ثمار ما زرعوه طيبا.
اقرأ أيضًا: روح الأشياء والأماكن…