التنمر تصرف غير أخلاقي بجميع أشكاله، سواءً كان تنمرًا لفظيًّا مباشرًا، أو تنمّرًا مغطى بالسخرية والإحراج أمام الجميع، أو تنمرًا عاطفيًّا كالابتزاز العاطفي أو الضغط على الطرف الآخر من قبل العاطفة. ونحن ندفن التنمر تحت كلمة المزاح والسخرية، ولكن هاتان الكلمتان لا تقلّلان من معناه شيئًا، فلا يهم أيّ الأسماء أطلقنا عليه لأن المدلول واحد. فأن نبدأ مع أيّ شخص بالمزاح والسخرية ونصفه بأوصاف لا ترضي الله ونعيبه بها، ثم ننهي جلستنا ونحن راضون سعداء، فقد قضينا وقتًا جميلًا نضحك ونمزح وهذا أمر جيّدٌ وصحيٌّ ومشروعٌ. ولكن ربّما من حيث لا ندري وأثناء هذا كلّه نكون قد أضعنا مستقبل شاب، أو قد حولنا طفلًا من حولنا إلى مجرم، أو قد حملنا شخصًا معافًا سليمًا إلى أن يقع في براثن الأمراض النفسية محاطًا بالعقد.
قد يسأل البعض وهل القليل من المزاح وقضاء بعض الوقت من التسلية سينتج عنه كلّ هذا؟ بالطبع لا، إن كان المزاح عامًّا لا يقصد شخصًا بعينه. أما إن كنت أعيب شخصًا بعينه وأصفه بأوصافٍ معيّنة وأغطيها تحت ستار المزاح وقد يضحك من قلبه معنا مخفيًا تحت ضحكته آثار قهره وعجزه عن الردّ، ثم تبدأ شرارة الغضب الأولى في قلبه حتى تتحول بعدها إلى منبع شر ويكون أساسه مجرد مزحة.
لا أوافق في أن أدمج المزاح مع السخرية والتنمر، ولكن للأسف الكثير منا قد خلط الأمور ببعضها. قد يدّعي البعض أن التنمر معناه واضح وهو أن يبدأ كثير من الأطفال بالعيب على طفلٍ بعينه حتى يصبح وحيدًا كارهًا لكلّ شيء، هذا تنمر صحيح بشكل واضح، ولكن هناك أنواع أخرى من التنمر. قد تتنمر الأم من حيث لا تدري على طفلها أو الأخ والأخت على الصّغار أو الكبار. لذلك أناشد كل ذي قلب وعقل أن يزين كلّ كلمةٍ قبل أن ينطق بها ويتذكّر أنّه ربّما سيصلح شابًا أو سيفسده، ولطالما أفسدت كلمة صغيرة لا نلقي لها بالًا مستقبل شباب وجعلتهم يرتادون عيادات الطب النفسي لسنوات. هذا إن تداركتهم حماية الله وذهبوا إلى أفضل حل ولم يستبدلوه بالبدائل السريعة كالمخدرات وغيرها، وبعد ذلك يكتشف الطبيب أن كلّ ما أصابه كان سببه مجرد مزحة في جلسةٍ قد انفض جمعها كلٌّ في شغله وبقيت هذه المزحة تدور في عقل هذا الطفل أو ذاك المراهق حتى كادت أن تدمّر حياته. فلا نستهين بكلمة وربّما تحبط جميع ما نقوم بفعله في حياتنا من خيرات وتهوي بنا في نار جهنّم يوم القيامة. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثه المعروف: “ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبُّ النّاس على وجوههم في النّار إلّا حصائد ألسنتهم”.
اقرأ أيضًا: فن الاستماع للمراهقين
قد يفهم البعض أن كلامي حول أن المزاح محرم ولا يجوز، هذا مالم أقصده ولم أرمِ إليه إطلاقًا، لأنني أفصل بين المزاح والتنمر، فالمزاح مباح مالم يضر بالغير.
ما أتحدّث عنه هنا لا يسمّى إطلاقًا بالمزاح، ولكن الناس قد خلطت الأمور ببعضها.
قد يأتي سؤال من سائلٍ قلقٍ، أنا أراقب تصرفاتي، ولكن كيف أحمي أطفالي من التنمر كي لا يقع ضحية لأحد؟
اقرأ أيضًا: الخامسة صباحًا
علينا أولًا أن نثقّف أطفالنا بمفهوم التنمر ونشرحه لهم ونكون قدوة لهم قبل كل شيء في عدم فعله ونساعد أطفالنا على بناء الثقة بأنفسهم كي يستطيعوا الرد على كل كلمة ولا تؤثر بهم، وقبل كل شيء أن نفتح لهم باب قلوبنا لكي يتحدّثوا معنا بكل أريحية عن كل ما يجري معهم، فنكتشف التنمر في بدايته ونستطيع معالجته سريعًا، فدعمنا لأطفالنا ووقوفنا معهم سيجعل الأثر للتنمر قليلًا وهذا الدعم لا يقتصر على الأطفال فقط إنما على كل من يتعرض للتنمر من الكبار أو النساء أو غيرهم.
حفظ الله ألسنتنا من ذلّاتها وأنار قلوبنا بالهداية قبل نطق ما لم يعد ينفع الندم بعد نطقه.